أحمد بن محمد ابن عربشاه

428

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وفنيت أنصاره ، ثم أمر الأسد بالدب أن يلقى من البلاء في جب ، وأن السباع تحتوشه والضباع تنوشه ، ففي الحال من غير إهمال ولا توان ولا إمهال ، نهشته الذئاب ، وافترسته الكلاب ، وتخاطفته النمور ، وتناتفته الببور ، والتقمته السباع ، والتهمته الضباع ، فقطعوه وبضعوه ، ووزعوه ومزعوه ، وخزقوه وحزقوه ، وخرقوه ومزقوه ، ولم يكتفوا بعظمه وإهابه ، حتى لحسوا من دمه يابس ترابه ، وكان قد اشتد بهم القرم ، فاطفئوا بلحمه ودمه بعض الضرم ، وزال عن أبي أيوب الضر ، وارتفعت منزلة ذلك الحر ، وضاعف الله تعالى عن براءة ساحته أنواع الحمد والشكر . وفائدة هذا المثل الجاري بين الدب والجمل معرفة فضيلة الأمانة ، ووخامة المكر والخيانة ، فإن الله تعالى غير مضيع أهله ، وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ [ فاطر : 43 ] كما قيل : لأبناء هذا الدّهر في الغدر أسهم * وضرب خيانات وطعن مكيدة وما للفتى منها طريق سلامة * سوى ترس تفويض لرب البرية وكلّ امرئ رهن بنيته وفي * كفالة ما ينوى وما في العقيدة وليكن هذا آخر باب الأسد الصالح والجمل الأمين الناصح ، والعاقبة للمتقين والله الموفق والمعين . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد خير الخلائق أجمعين ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .